لا يتعثر الابتكار بسبب ضعف الفكرة؛ بل بسبب عدم قدرة المؤسسة على رؤية نفسها فيه. التبنّي في جوهره قضية هوية وثقافة، وليس مجرد مسألة تصميم أو تقنية. عندما “يشبه” الابتكار المؤسسة—في لغتها ومنطق عملها وسرديتها—يصبح من السهل دعمه، واعتماده، وتوسيعه. وعندما لا يشبهها، يصبح التبنّي هشاً حتى لو كانت الفكرة واعدة.
الهوية أصل حوكمة… وليست مجرد مظهر
الهوية المؤسسية هي المنطق العميق الذي يحدد:
- ما يُعد مناسباً للاستراتيجية والاختصاص
- كيف يُفسَّر الخطر والمسؤولية
- من يملك حق المبادرة والاعتماد
- كيف تتخذ القرارات وبأي سرعة
الهوية تعمل كـ نموذج عقلي مشترك يقلل الاحتكاك. وعندما يتسق الابتكار معها، يُفهَم مقصده ويُمنَح الثقة. وعندما لا يتسق، يتباطأ—حتى لو كان منطقياً ومفيداً.
نمط التعثر الذي يتكرر في المؤسسات
تتبع معظم مبادرات الابتكار منحنى مألوفاً:
- انطلاق عالي الحماس مع فعاليات، ورش، وتجارب أولية.
- ضبابية في منتصف الطريق بسبب غياب مسارات الاعتماد أو المالك الواضح.
- فقدان الزخم مع دوران القيادات وعدم وضوح كيفية تقييم الفكرة.
- توسّع محدود ينتهي ببقاء تجارب قليلة بلا تبنّي حقيقي.
المشكلة الجوهرية ليست في الفكرة، بل في عدم توافق السردية والهوية وواقع التشغيل مع الابتكار المطروح.
تصميم يهيئ الابتكار للتبنّي
حتى ينتشر الابتكار، يجب أن تراه المؤسسة امتداداً لها، وليس جسماً غريباً. وهذا يتطلب تصميم ثلاثة عناصر:
1. سردية متسقة مع الهوية
يجب أن:
- تستخدم لغة المؤسسة وقيمها
- ترتبط مباشرة بأولويات معروفة (الكفاءة، الخدمة، الامتثال، الأثر الوطني)
- تعالج مشكلة مؤسسية حقيقية وطويلة الأمد
السردية المتسقة تخفف المقاومة وتمنح الابتكار شرعية فورية.
2. تجربة وانضمام سلسة
يتسارع التبنّي عندما يشعر الموظفون بأن العملية مفهومة ومألوفة:
- راعٍ واضح ومالك محدد
- خطوات انضمام بسيطة
- بوابات تقييم واضحة ومتدرجة
- قوالب وأدوات تقلل الجهد العقلي
التجارب المعقدة أو “المستوردة” تبطئ التبنّي مهما كانت الفكرة جيدة.
3. انسجام مع واقع التشغيل
يجب ضبط الابتكار وفق:
- دورات الميزانية
- آليات اتخاذ القرار
- قدرات الفرق والجهات
- البيانات المتاحة
- الحدود التنظيمية
الابتكار الذي يتجاهل هذه الظروف يظل نظرياً ولا ينتشر.
نموذج عملي للتبنّي المؤسسي
تُظهر خبرات راسي الاستشارية عبر القطاعات أن نجاح الابتكار يعتمد على أربع قدرات:
- تصميم الشرعية – التأكد من توافق الابتكار مع الهوية والاختصاص.
- وضوح القرار – تحديد من يعتمد، ومن يموّل، ومن يملك التنفيذ.
- بنية تمكينية – معايير، بيانات، أدوات، ودعم يتيح التوسع.
- تعزيز سلوكي – حوافز وإشارات قيادية تدعم التجريب والإنجاز.
علامات الابتكار المتسق مع الهوية
- استخدام أصحاب المصلحة لغة المؤسسة عند وصفه.
- قدرة لجان الاعتماد على فهم أهميته دون تقديم مطوّل.
- تبنّي الإدارة المتوسطة له لأنها ترى قيمته التشغيلية.
- شعور عام بأن “هذا ابتكار ينتمي لنا”.
خاتمة
الابتكار الذي “يشبه المؤسسة” يصل أبعد ويستمر أطول. التبنّي ليس تحدياً تقنياً فقط، بل هو تحدي هوية وسردية ونموذج تشغيل. المؤسسات التي تعالج هذه الطبقات معاً تبني ابتكاراً لا يحتاج إلى الدفع… بل يُسحب تلقائياً.
هل أنت مستعد لقيادة التغيير؟
لنتواصل لترى كيف يمكن لراسي الاستشارية اطلاق ودعم رحلة التحول والنمو الخاصة بكم.